بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

طوّح برأسه على رأسي بضربة شعرت من شدّتها وكأنّ الأرض ترتجّ من تحتي… حينما كنت في الزنزانة (الحلقة الثامنة)

1140طباعة الموضوع 2021-08-03


حينما حاولت القيام كان الغثيان الشديد الناجم من الصفعات واللكمات المتتالية مسيطراً عليّ، فرجوتهم أن يدعوني كي أرتاح قليلاً، فقال لي أحدهم: نخرج من الشعبة وارتاح خارجها، وبالكاد قطعت المسافة إلى بوابتها، مع أنّها لم تك لتتجاوز عشرين متراً.

كان منظري مريعاً، إذ لعل وجهي أصبحت معالمه غائرة تحت الأورام التي علته، فيما اختفى بعضها الآخر تحت غطاء من الدم الذي تجمّد عليه، أما أقدامي فحدّث ولا حرج، ومع أنني حاولت احتذاء الحذاء إلا أنني وجدت أنّ إصبع الإبهام أكثر سماكة من فوهة الحذاء! فيما كان الدم يغطّي القدم ومقداراً من الساق، وما كان وضع ظهري وأكتافي مختلفاً فالقميص ذا اللون الأزرق الفاتح بلون السماء الذي كنت أرتديه كان قد التصق بالجلد نتيجة الجروح التي نزفت من أماكن مختلفة من الظهر والتي تسبّبت بها أساساً الخشبة التي كان لضربتها لسعة جارحة في العديد من الأحيان بمعيّة ألمها المبرح!

على أيّ حال اقتادني مراسلو الشعبة إلى السيارة وكنت أحمل حذائي بيدي، وكانت المعاناة على أشدّها متمثّلة في كيفيّة تسلّق درج الطوابق الأربعة التي توصل إلى المعتقل، وكيفما كان فقد وصلت إلى الطابق الرابع بشقّ الأنفس وبكثير من ألم الضغط على الأورام في أقدامي، وكان منظري يرثى له حينما ولجت إلى المكان، فبادرني أحد الحراس وقال كلمة كأنّه يستغرب حجم ما طالني من تعذيب، ولكني لم أعرف إن كان يتشفّى أو عبّر عن تأثّره فيها، وعلى أيّ حال تلقّاني بعض المعتقلين بمجرد فتح باب الموقف ليعينوني للوصول إلى مكاني هناك، وكما في كلّ مرّة كان الأخ الكردي قد أعدّ عدّته كي يدلّك مناطق الأورام، ولكنّي هذا المرّة كنت أتلوّى من ألم يديه أكثر من المرّات السابقة، ولعلها لكثرة الجروح فيها، وفيما كان يفعل كان يغمرني شعور بالفرح الكبير نتيجة لعدم الاعتراف بأي شيء رغم التعذيب الاستثنائي الذي مررت به، ومع هذا الشعور كان شعور آخر يثير في داخلي الطمأنينة والارتياح نتيجة لتمكّني من التكيّف مع التعذيب، وما اعتقدته بأنّي سيطرت على أساليبهم وأدواتهم، بالرغم من أنّي لم أتلمّس أيّ مؤشّر على خفض مستوى التعذيب، ولم يسعفني التحليل بأنّ التعذيب قد وصل حدّ الذروة والذي يبشّر ببدء العد التنازلي لنهايته، ومع ذلك فقد كان هذا الشعور قد أثار فيّ ما أحتاجه من مدّ معنوي لأمضي لنهاية المطاف الذي قدّر لي!

بعد العاشرة ليلاً بدأت أتمشّى وكانت بغيتي الوصول إلى مكان السيد نشيد الصراف والأستاذ عمران وكلاهما من الذين اعتقلوا في عام 1974 في حملة اعتقالات الديوانية المعروفة آنذاك، لأنّهم كانوا قلقين من مجرى التحقيق لرؤيتهم شدّة التعذيب الذي طالني، فأومأت لهم بأنّ الأمور على ما يرام، وأثناء حركتي لمحت أخاً جديداً عليه سيماء الالتزام الديني، وقد تبيّن لي أنّه الأخ عبد الله فضل الذي اعتقل في عام 1969 ونقل إلى سجن أبو غريب دون أن يحاكم، وقد تمّ اعتقاله في القضية المعروفة باسم مجموعة حمزة الروّاف، وهي من أوائل المجاميع الشيعية التي حاولت حمل السلاح في وجه البعثيين.

ثم جلست أفكّر فيما يمكن أن يجري في الغد وطبيعة الذي جرى اليوم، وكان أوّل أمر هيمن على نفسي بألم أنّي صرخت عدّة مرات من جراء التعذيب، ولم أعتبر ذلك لائقاً بي إذ كان الأحرى بي ــ هكذا فكّرت في وقتها ــ هو عدم إشعارهم بما يروي مشاعر السادية لديهم، رغم أن أصحاب الخبرة في التعذيب كانوا ينصحون بالصراخ والصياح والبكاء المصطنع لأنّه يشعر جلاوزة البعثيين بالألم الشديد الذي يفوق التحمّل ولذلك يكفّون عن تصعيد درجة التعذيب ويكتفون بها، ومع هذا الانتقاد الذي دفعني إلى أن أبكي من الندم على ما أسرفت على نفسي، كنت قد قررت في داخلي على ألّا يسمعوا منّي أي صوت غير الردّ على أسئلتهم، وبطبيعة الحال هذا الكلام قد يستغربه من لا يعرف أيّ حياة كنّا عليها، كما أنّ مثل هذا الكلام سهل، ولكن هل يمكن لي أن أفي به؟ وقد تحدّيت ضعفي في ألّا أعطيهم ما يلتذّون به من سماع صرخات الألم واعتبرته امتحاناً لي، وبقيت أشحذ همّتي في أن يكون تصميمي جاداً.. فهل يمكن لي أن أتخطّى ذلك؟!

أراحني هذا القرار نفسياً، وقد أشاع في داخلي السكينة التي تعينني على تجاوز توتر الأعصاب وتقلّصات البطن وهلع الفؤاد كلّما اقتربنا من ساعة الصباح!

بعد صلاة الفجر تفاءلت بالقرآن الكريم فخرجت الآية الكريمة: {وما جعله الله إلّا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} [سورة آل عمران: 126] فكانت نعم المعين والمرشد لي في تلك اللحظة، بحيث أني ولأول مرّة تذوقت الإفطار يومذاك مع علمي أن بيني وبين التعذيب مدّة لا تزيد على الساعتين.

وحانت لحظة الصفر، وسمعتهم يرددون اسمي، فما كان مني إلّا أن أتجه للباب الذي سرعان ما فتح وتلاقفني مراسلو شعب التعذيب وتم تعصيب عيني قبل النزول من الطابق الرابع، واعتبرت ذلك نذير سوء لأنهم في العادة يعصبون العين إما في السيارة أو في باب الشعبة، وحالما ولجت إلى الشعبة الثانية حتى تكرر المشهد اليومي من نزول أكّفهم على وجهي والألفاظ التي تليق بهم وهم ينثرونها في الذهاب والإياب، كان وجيب القلب إذ ذاك عالياً، فيما ازداد اللهاث حتى لكأنّ الرئتين ضاقت عليهما السبل للعثور على نسمة من الهواء، وتلوّت عضلات المعدة وكأنّها تغور إلى أعماق الأحشاء، ولا أدري هل هي الاستجابة الطبيعية لحالات الهلع الذي كان يملأ إهابي؟ أم هي التي تسبب الهلع؟ ولم تنفع محاولات التهدئة التي كنت أقوم بها لتسلية النفس، فما هي إلا دقائق حتى تتحرك ماكنة التعذيب ويهدر دويّها! واعترف بأن ما كان أكثر إثارة للهلع في داخلي من التعذيب هو رؤية الجلاد المجرم مصعب التكريتي نفسه!

وبالفعل لم تمرّ الدقائق إلا قليلاً حتّى عرفت أنّ الجلاد قد حضر، واستنفرت جوانحي من الخوف واستسلمت لدواعيه! لا زلت واقفاً تحت الشمس حينما أحسست بتوقف أحد الجلاوزة أمامي، سألني عن اسمي، ولم أتلفظ به بعد حتى كأنّه طوّح برأسه على رأسي بضربة شعرت من شدّتها وكأنّ الأرض ترتجّ من تحتي، وقد علاني دوار عاصف ما أسرع أن وجدتني أفقد التوازن وأسقط على الأرض، وأنا على هذه الحالة سحلني الجلاوزة باتجاه غرفة التعذيب، كان دوي الضربة المهولة لا زال مسيطراً على رأسي، ولكن ما أجبرني على الإفاقة صوت الجلاد التكريتي وهو يأمرني بالوقوف وسخر مني وهو يقول: لم نسألك إلّا عن اسمك فلماذا لا تجيب؟ ووجه حديثه للجلواز وقال له متسائلاً: اعرف اسمه! حسبت أنّي سأتلقى ضربة ثانية، ولكنه لم يتوجه لرأسي وإنما أحسست بضربة شديدة أعلى من الركبة بقليل ولكن من الخلف، ولا أشك أنها استهدفت مركزاً عضلياً أو عصبيا، لأنني لا أعرف كيف تهاويت على الأرض على وجهي، لم يكن ألم هذه الركلة مألوفاً لدي رغم كلّ ما سبق أن تعرضت له، ومن اليقين أنّ هذا المجرم كان خبيراً في فنون الكاراتيه، وبعد أن أوقفوني أعاد عليّ سؤال الاسم، ولم أتلفظ بأي حرف حتى بادرني بكف كالحديد سقط على صدغي، مع أن هذا الكف أسقطني فوراً على الأرض، ومع أن عينيّ جدحت بشرارات عديدة، غير أني سبق أن تعرضت لمثل ذلك في الشعبة الخامسة، وحقيقة لم أعرف إن كان هذا الكف بشرياً أو حديدياً، فهو يملأ جانب الوجه المضروب من أعلاه إلى آخر الذقن، وكيفما يكن فإنه يوجّه الضربة إلى منطقة في وسط عظم الفك هي التي تسبب بما يشبه بانقلابي من الأعلى إلى الأسفل.. هذه الضربات الثلاثة لم تأخذ من الوقت إلا دقائق قليلة، قال بعدها مصعب بلهجته التكريتية: "دحّج يول ما راح أتركك اليوم إلا أن تعترف، فهل أنت مستعد؟ وما أن قالها حتى تساقطت عليّ الأرجل والأكفّ والهراوات من كل جانب لتصنع أحد أشدّ أيام التعذيب محنة..

يتبع بإذن الله.. 

 

الحلقة السابعة: https://www.sh-alsagheer.com/post/4140

الحلقة السادسة: https://www.sh-alsagheer.com/post/4132

 الحلقة الخامسة: https://www.sh-alsagheer.com/post/4117

الحلقة الرابعة: https://www.sh-alsagheer.com/post/4093

الحلقة الثالثة: https://www.sh-alsagheer.com/post/4078

الحلقة الثانية:https://www.sh-alsagheer.com/post/4067

الحلقة الأولى: https://www.sh-alsagheer.com/post/4052

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
13 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :6785
عدد زوار الموقع الكلي: 14926537
كلمات مضيئة
قال أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام ): أيما رجل اتخذ ولايتنا أهل البيت ثم أدخل على ناصبي سرورا واصطنع إليه معروفا فهو منا برئ ، وكان ثوابه على الله النار.